الصفحة الرئيسية  أخبار وطنية

أخبار وطنية جسور الإعلام: صحفيون وباحثون تونسيون يجتمعون لتحويل البحث الاقتصادي إلى معلومة مفيدة للعموم

نشر في  11 ماي 2026  (18:37)

ورشة عمل جمعت باحثين وصحفيين ومسؤولي مؤسسات إعلامية لإنتاج مضامين اقتصادية مبسّطة وذات سند علمي، في إطار مشروع "سافوار ايكو" (نحكيو اقتصاد)

  نظّمت الجامعة التونسية لمديري الصحف، بالشراكة مع مشروع "سافوار ايكو" (نحكيو اقتصاد) ووكالة "اكسبرتيس فرانس" والاتحاد الأوروبي، يوم 30 أفريل 2026 بنزل كيرياد بريستيج بتونس، ورشة عمل مخصّصة للإنتاج المشترك، جمعت صحفيين وباحثين حول هدف مشترك يتمثل في إخراج البحث الاقتصادي من إطاره الأكاديمي الضيق، وجعله أكثر قرباً ووضوحاً وأيسر تداولاً وأنجع خدمةً للنقاش العام.

وقد أشرف على تنشيط هذه الورشة السيد كريم بن عمر، بحضور صحفيين ومديري مؤسسات إعلامية وخبراء اقتصاديين وأساتذة جامعيين وباحثين وطلبة دكتوراه ومنتجين للبيانات العمومية. ومثّل هذا اللقاء فرصة جديدة لتعزيز التقارب بين ميدان البحث العلمي وميدان الإعلام، وهما ميدانان يتقاطعان كثيراً، لكنهما لا يعملان دائماً ضمن آليات واضحة ومنظمة.

من التشخيص إلى الإنتاج المشترك

في افتتاح أشغال الورشة، ذكّر السيد محمد الطيب الزهار، رئيس الجامعة التونسية لمديري الصحف، بطموح هذه المبادرة، قائلاً: "اليوم نمرّ إلى مرحلة الفعل. المسألة تتعلق بربط عالم البحث، الذي يبقى في أغلب الأحيان حبيس المختبرات، بعالم الإعلام. "

وشدّد على أن الرهان واضح، ويتمثل في «جعل البحث في متناول أكبر عدد ممكن من الناس» وتوجيهه نحو إنتاج "أكثر تطبيقية" و"قابل للنشر"، دون الإخلال بالطابع العلمي والدقة المنهجية.

وقد انتظمت أشغال هذا اليوم حول مبدأ أساسي مفاده أن ورقة بحثية أو دراسة أو مقالاً أكاديمياً لا ينبغي أن يبقى حبيس ملف بصيغة PDF ، بل يمكن تحويله إلى مقال صحفي، أو إنفوغرافيا، أو كبسولة فيديو تفسيرية، أو نقاش إذاعي، أو ريلز، أو بودكاست، أو صيغة مطوّلة للنشر على الواب.

واشتغل المشاركون خلال الورشة على جملة من المواضيع الاقتصادية ذات الصلة المباشرة بمشاغل الرأي العام، من بينها الاقتصاد غير المنظم، والدين العمومي، ومناخ الأعمال، وبطالة الشباب، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والدفع عبر الهاتف الجوال، والمنافسة البنكية، والتصدير، والاستهلاك المسؤول، والجيو اقتصاد، والتنمية الجهوية.

تكييف الأعمال البحثية وتبسيطها دون المساس بدقتها

وقدّم السيد سفيان رجب، عضو الجامعة التونسية لمديري الصحف والمدير ورئيس التحرير بموقع Le Point TN، العمل الذي تم الشروع فيه على اثنتي عشرة ورقة بحثية أُنجزت في إطار مشروع "سافوار ايكو" (نحكيو اقتصاد)، من خلال تحويل ملفات PDF إلى وثائق قابلة للاستغلال، وإعداد ملخصات باللغة الفرنسية، وترجمتها إلى اللغة العربية، والتحضير لصيغ أكثر ملاءمة للعمل الصحفي.

وأوضح في هذا الإطار: "الهدف هو تسهيل عمل الصحفي، حتى تتمكن الورقة البحثية من أن تتحوّل إلى مقال، أو فيديو، أو موضوع مقروء ومفهوم. "

كما مكّنت الورشة من إطلاق ديناميكية "جسور الإعلام" (Passerelle Média) بشكل أكثر عملي. وفي هذا السياق، اعتبر السيد خالد عويج، عضو الجامعة التونسية لمديري الصحف، أن "اليوم هو بداية جسور الإعلام" وبداية "قصة جميلة" من المنتظر أن تتواصل "على المدى المتوسط والطويل جداً".

وأكد أن الجامعة التونسية لمديري الصحف تسعى إلى أن تكون همزة الوصل بين الباحثين والخبراء من جهة، والمؤسسات الإعلامية من جهة أخرى، من خلال مرافقتهم ومساعدتهم على نشر أعمالهم في مختلف وسائل الإعلام، سواء في الصحافة المكتوبة أو مواقع الواب أو الإذاعات أو التلفزات أو شبكات التواصل الاجتماعي. وفي اختتام الورشة، شدّد على ضرورة "المواصلة" و"بناء الروابط".

المصداقية في قلب العلاقة بين الباحثين ووسائل الإعلام

ولم تقتصر النقاشات على مسألة النشر، بل شملت أيضاً موضوع المصداقية، باعتباره أحد أهم عناصر العلاقة بين البحث العلمي والعمل الصحفي.

وفي هذا الإطار، أكد السيد الهادي حمدي، عضو المكتب التنفيذي للجامعة التونسية لمديري الصحف، أن وسائل الإعلام تمنح الباحثين عنصراً أساسياً هو "المصداقية" . وفي سياق مشهد اتصالي تطغى عليه شبكات التواصل الاجتماعي، ذكّر بأن العمل الصحفي يظل ضرورياً، بما في ذلك في الصحافة المختصة، التي "لا تقوم على الكمّ، بل على الجودة".

كما دعا الباحثين إلى مزيد الاشتغال على مواضيع ذات صلة مباشرة بالشأن العام، لكنها لا تزال غير موثقة بما يكفي، على غرار السياحة، والأجواء المفتوحة، وتوريد السيارات، والنموذج الاقتصادي لوسائل الإعلام.

تبسيط المعرفة العلمية: اختصاص قائم بذاته

وقد فتحت المداخلة التي قدّمها السيد حبيب زيتونة، رئيس ASECTU، نقاشاً معمقاً حول شروط تبسيط المعرفة العلمية وتقديمها للعموم. وأكد أن البحث الأكاديمي لا يتوجه بالضرورة، في صيغته الأصلية، إلى الجمهور الواسع، كما أن الباحثين لا يتلقون دائماً تكويناً في كيفية التعامل مع وسائل الإعلام.

وشدّد في هذا السياق على أن تبسيط المعرفة "اختصاص" قائم بذاته، يتطلب معرفة بإكراهات البحث العلمي من جهة، وبمتطلبات العمل الإعلامي من جهة أخرى.

كما نبّه إلى مخاطر الخلط بين الموقف الشخصي، والموقف المؤسساتي، والنتائج العلمية، مؤكداً ضرورة أن يفهم الصحفيون والباحثون إكراهات بعضهم البعض، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأرقام، والدقة، واللغة، والتأويل.

الذكاء الاصطناعي: أداة مساعدة لا تعوّض الصرامة العلمية

وشكّلت الفقرة المخصصة للذكاء الاصطناعي إحدى المحطات البارزة في أشغال الورشة. فمن خلال أمثلة عملية، بيّن السيد كريم بن عمر كيف يمكن لأدوات مثل  NotebookLM و ChatGPT و Claude و Gemini و Perplexity أن تساعد على فهم دراسة، واستخراج الأرقام الأساسية، واقتراح زوايا معالجة، وإعداد الأسئلة، وإنتاج صيغ بيداغوجية مبسطة.

غير أن النقاشات أكدت أيضاً حدود هذه الأدوات، وخاصة ما يتعلق بسرية المعطيات، ومخاطر إنتاج معلومات غير دقيقة، وضرورة التثبت من الأرقام، واحتمال فقدان البصمة التحريرية، إضافة إلى مخاوف بعض الباحثين من أدوات كشف استعمال الذكاء الاصطناعي.

وقد تم التأكيد في هذا الإطار على قاعدة أساسية مفادها أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يسرّع العمل ويساعد على تحسين الصيغ، لكنه لا يعوّض الصرامة العلمية، ولا الحكم التحريري، ولا مسؤولية الصحفي والباحث في التثبت والتدقيق.

من الفكرة إلى الصيغة الإعلامية

واختُتمت الورشة بتمارين إنتاج مشتركة في شكل ثنائيات جمعت بين باحثين وصحفيين. وتمكنت عدة مجموعات من تحويل مواضيع بحثية إلى مقترحات تحريرية ملموسة، شملت كبسولات فيديو، ومقالات تفسيرية، وسلاسل إذاعية، وريلز، وإنفوغرافيا، وصيغاً للنشر على الواب.

كما نجحت بعض المجموعات في إنتاج نموذج أولي لفيديو في أقل من ساعة، بما أبرز الإمكانات العملية والفورية للتعاون بين الباحثين والصحفيين، وأكد القيمة المضافة التي يمكن أن يحققها الإنتاج المشترك عندما يلتقي السند العلمي بالخبرة الإعلامية.

خطوة جديدة ضمن مسار ممتد

تمثّل ورشة 30 أفريل 2026 خطوة مهمة في بناء فضاء تعاون بين وسائل الإعلام والباحثين. فالهدف لا يتمثل فقط في نشر مزيد من المضامين، بل في إنتاج معلومة اقتصادية أكثر موثوقية، وأكثر وضوحاً، وأيسر تداولاً، وأكثر فائدة للمواطنين والمؤسسات وصنّاع القرار العمومي.